أبي الفرج الأصفهاني
184
الأغاني
وإذا ناحبت [ 1 ] كلب على الناس أيّهم أحقّ بتاج الماجد المتكرّم [ 1 ] على نفر هم من نزار ذوي العلا وأهل الجراثيم التي لم تهدّم [ 2 ] فلم يجز عن أحسابهم غير غالب جرى بعنان كَّل أبيض خضرم [ 3 ] سحيم يعجز عن مباراة أبيه في كرمه : أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال : حدثنا أبو حاتم ، عن أبي عبيدة ، عن جهم السليطيّ ، عن إياس بن شبة ، عن عقال بن صعصعة ، قال : أجدبت بلاد تميم ، وأصابت بني حنظلة سنة [ 4 ] في خلافة عثمان ، فبلغهم خصب عن بلاد كلب بن وبرة ، فانتجعتها بنو حنظلة ، فنزلوا أقصى الوادي ، وتسرّع غالب بن صعصعة فيهم وحده دون بني مالك [ 5 ] بن حنظلة ، ولم يكن مع بني يربوع من بني مالك غير غالب [ 5 ] ، فنحر ناقته فأطعمهم إيّاها ، فلما وردت إبل سحيم بن وثيل الرّياحيّ حبس منها ناقة ، فنحرها من غد ، فقيل لغالب : إنما نحر سحيم مواءمة لك - أي مساواة لك - فضحك غالب ، وقال : كلا ، ولكنه امرؤ كريم ، وسوف أنظر في ذلك ، فلما وردت إبل غالب حبس منها ناقتين ، فنحرهما ، فأطعمهما بني يربوع ، فعقر سحيم ناقتين ، فقال غالب : الآن علمت أنه يوائمني ، فقعر غالب عشرا ، فأطعمها بني يربوع فعقر سحيم عشرا ، فلما بلغ غالبا فعله ضحك ، وكانت إبله ترد لخمس ، فلما وردت عقرها كلها عن آخرها ، / فالمكثر يقول : كانت أربعمائة ، والمقلّ يقول : كانت مائة ، فأمسك سحيم حينئذ ؛ ثم إنه عقر في خلافة عليّ بن أبي طالب صلوات اللَّه عليه بكناسة الكوفة مائتي ناقة وبعير ، فخرج الناس بالزنابيل / والأطباق والحبال لأخذ اللحم ، ورآهم عليّ عليه السلام ، فقال : أيّها الناس لا يحل لكم ، إنّما أهلّ [ 6 ] بها لغير اللَّه عزّ وجلّ . قال : فحدثني من حضر ذلك قال : كان الفرزدق يومئذ مع أبيه وهو غلام ، فجعل غالب يقول : يا بنيّ ، أردد عليّ ، والفرزدق يردّها عليه ، ويقول له : يا أبت اعقر ، قال جهم : فلم يغن عن سحيم فعله ، ولم يجعل كغالب إذا لم يطق فعله . يقيد نفسه حتى يحفظ القرآن : حدثني محمد بن يحيى عن محمد بن القاسم - يعني أبا العيناء - عن أبي زيد النحويّ ، عن أبي عمرو قال : جاء غالب أبو الفرزدق إلى عليّ بن أبي طالب صلوات اللَّه عليه بالفرزدق بعد الجمل بالبصرة ، فقال : إن ابني هذا من شعراء مضر [ 7 ] فاسمع منه ، قال : علمه القرآن ، فكان ذلك في نفس الفرزدق ، فقيّد نفسه في وقت ، وآلى : لا يحلّ قيده حتى يحفظ القرآن .
--> [ 1 ] في ب « ناديت » بدل « ناحبت » وناحبت : راهنت . [ 2 ] الجراثيم : جمع جرثومة ، وهي الأصل . [ 3 ] الخضرم : الكريم المعطاء . [ 4 ] سنة : جدب . ( 5 - 5 ) التكملة من هد ، هج . [ 6 ] يقال : أهل الذابح : رفع صوته عند ذبح الضحية باسم من قدمها قربانا له . [ 7 ] في هج ، هد : « أن ابني هذا من أشعر مضر ، أو شاعر مضر » .